الشيخ محمد هادي معرفة
188
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تناسب الآيات مع بعضها كان القرآن نزل نجوما ، وفي فترات لمناسبات قد يختلف بعضها عن بعض . وكانت كلّ مجموعة من الآيات تنزل لمناسبة تخصّها ، تستدعي وجود رابط بينها بالذات ، وهو الذي يشكّل سياق الآية في مصطلحهم . والمناسبة القائمة بين كلّ مجموعة من الآيات ممّا لا يكاد يخفى ، حتّى ولو كانت هي مناسبة التضاد ، كما أفاده الإمام الزركشي في عدّة من السور جاء فيها ذلك . . . قال : وعادة القرآن إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا ووعيدا ، ليكون ذلك باعثا على العمل ، ثمّ يذكر آيات التوحيد والتنزيه ، ليعلم عظم الآمر والناهي . قال : وتأمّل سور البقرة والنساء والمائدة وأمثالها تجده كذلك . « 1 » هذا ما ظهر وجه التناسب فيه . لكن قد يخفى وجه التناسب فتقع الحاجة إلى تأمّل وتدقيق للوقوف على الجهة الرابطة ، لأنّه كلام الحكيم ، وقد تحدّى به ، فلابدّ أنّه عن حكمة بالغة . * من ذلك قوله تعالى : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها » . « 2 » فقد يقال : أيّ رابط بين أحكام الأهلّة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها ؟ قيل : إنّه من باب الاستطراد - وهو الانتقال من مقصد إلى آخر لأدنى مناسبة يراه المتكلّم أولى بالقصد - وكأنّه جعل مبدأ كلامه ذريعة لهذا الانتقال ، ولكن بلطف وبراعة ، وهو من بديع البيان . « 3 » قال الزمخشري : لمّا ذَكر أنّها مواقيت للحج عَمَد إلى التعرّض لمسألة كانت أهمّ بالعلاج ، وهي عادة جاهلية كانت بدعة رذيلة ، كان أحدهم إذا أحرم لا يدخل حائطا ولا دارا ولا فسطاطا ، فإن كان من أهل المدر نقب في مؤخّرة بيته فيدخل ويخرج منه . وإن كان من أهل الوبر جعل خلف خبائه مدخله ومخرجه ، ولم يدخلوا من الباب . . . بدعة
--> ( 1 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 40 . ( 2 ) - البقرة 189 : 2 . ( 3 ) - قال الأمير العلوي : عليه أكثر القرآن . الطراز ، ج 3 ، ص 14 .